
لقد نصرنا الله عز وجل بعد إن كانا أذلاء وبالرغم من مرور 38 عاما على حرب أكتوبر 1973 إلا إننا مازلنا حتى ألان لم نعرف الكثير من إسرار وخبايا هذه الحرب وبطولات رجال قدموا أرواحهم للجهاد في سبيل الله فتحية لهؤلاء الرجال الذين صنعوا نصر السادس من أكتوبر 1973 ومن هؤلاء الأبطال البطل اسأمه الصادق والذي كتب ذكرياته عن حرب أكتوبر 1973 ومن ابرز ما جاء بها الشعار الذي رفعته القوات المسلحة عند العبور وهو الله اكبر ..الله اكبر …
المكان / جبهة قناة السويس .. جزيرة البلاح شمال مدينة الإسماعيلية
الزمان / 6/10/1973
فى الثانية عشرة منتصف ليلة 6,5 أكتوبر أيقظني جندي الخدمة واخبرني بأن قائد ثان الكتيبة مستقلا لورى وينتظرك ، دهشت واتجهت له يتبعني النقيب حسن ؛ سبب الدهشة بأن ياتى لورى إلي جزيرة البلاح. فلا معدات ميكانيكية بالجزيرة لانها تحتاج معدية تعبر القناة وتحمل تلك المعدات الثقيلة كما ان تضاريس الجزيرة غير صالحة لسير المعدات ؛ اتجهت إليه حيث قابلني قائد ثان الكتيبة باش الوجه على غير عادته واخبرني: أسامه قوارب وحدتك موجودة باللوري ؛ أرجو إحضار الجنود لإنزالها على انها بطاطين حتى لا تخرج الاصوات ويتلقفها العدو ويعلمون بما ننوى ان نفعله ؛ شعرت باضطراب وظللت صامتا لثوان ، لقد صدق حدثي وما تنبأت به قبل ذلك ، قوارب يعنى حرب.
فى العادة تحصل كل سرية مشاه على عشرة قوارب للعبور على موجة واحدة ” اى عبور دفعة واحدة” اما بالنسبة لي فكان العدد اثنان وعشرون قارباً للعبور على ثلاث موجات كل موجة اثنان وعشرون قاربا اى ان عدد القوارب التى ستعبر فى منطقتي (ستة وستون قارباً ) وقد انضم إلينا منذ عدة أيام مائه جندي احتياط مهمتهم حمل الذخيرة لموقعنا المتقدم الى مسافة الموقع المختار الذي سوف احتله مع جنودي شرق القناة وعلى مسافة ستة كيلومترات. عُدت بذاكرتي الى الوراء أكثر من ستة سنوات .. الجنود الاحتياط الكسالى الخاملين .. كانوا كما رأيتهم فى سيناء .. الكروش المدفوعة لأعلى والسير ببطيء ويتعاملون معنا كأننا السبب فى استدعائهم وبتعالي كأنهم يعرفون ويعلمون أكثر منا لقد أصبحوا بعد المعركة السبب الرئيسي فى الخسائر الكبيرة التى حدثت فى حرب أكتوبر سواء للمقاتلين او بالنسبة لأنفسهم لان خسائرهم تحسب على وحداتنا.
لقد اعد المهندسون العسكريون فى السابق منذ عدة أشهر أماكن إيواء مغطاة تحت الأرض لعدد اثنان وعشرون قاربا فى هذا الموقع ، توجه الجنود بالقوارب الى تلك الأماكن ؛ سلمني قائد ثان الكتيبة تعليمات قائد الجيش الثانى “الله يعطيك الصحة والعافية يا سيادة اللواء سعد مأمون” الذي سطر وخطط لتلك التعليمات ؛ كما أشيد بهذا الإنسان البارع الذي فكر فى طبعها وتوزيعها على الوحدات فهو لا يقل براعة عنه ، لقد ُفقدت منى تلك التعليمات أثناء العمليات الحربية والإصابة التى لحقت بى ولكنى أتذكر بعض ما جاء فيها حيث نقل لي بعض أجزاء منها احد الجنود أثناء علاجي في مستشفي المعادي:
ـــــــــ
قيادة الجيش الثانى الميداني
مكتب القائد
بسم الله الرحمن الرحيم:
ان تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم وينصركم على القوم الكافرين”
صدق الله العظيم
الى شباب مصر الأوفياء .. الى رجالها المخلصين .. الى كل قائد وضابط وصف وجندي .. هذا هو اليوم الموعود .. يوم ان نزيل عن عاتقنا أمام شعبنا وأمام التاريخ عار هزيمة لحقت بنا دون دخولنا الحرب .. لقد أنهيتم استعدادكم لهذه الحرب بالتدريب والمعدات والأسلحة وتخطيط القيادة على أعلا مستوى.. ثقوا ان النصر حليفنا مع مراعاة الانضباط أثناء المعارك ولا داعي للتهليل بعد إصابة تحدث للعدو فى الدبابات والمدرعات لأنك بهذا تحدد للعدو مكانك وتعرض نفسك لان يقتلك كما أرجو الدقة فى التصويب والاحتراز من حقول الألغام وثقوا ان شعبكم خلفكم ينظر إليكم ولتكن هديتنا الكبرى الى أمنا مصر الحبيبة هى النصر على أعداء الله وأعدائنا هؤلاء هم الكفرة الإسرائيليين .. ومن يلقى الشهادة فهو عند الله حي ُيرزق لا يموت تصديقا لقول الله عز وجل:
ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله “ صدق الله العظيم
فى نهاية كلمتي أرجو ان يفتح الضباط اى راديو معهم على إذاعة البرنامج العام قبل الثامنة بعشرة دقائق صباحا ثم يستمعوا الى دقات ضبط الساعة الثامنة من الإذاعة لضبط الساعة التى ستكون توقيتاتها متطابقة فى جميع أفرع القوات المسلحة لهذا اليوم بدون تأخير او تقديم ثوان لانها هامة ومصيرية فى تلك المعركة وفقكم الله وسدد خطاكم .
لواء أركان حرب / سعد مأمون
قائد الجيش الثانى الميداني
فى يوم الجمعة الموافق التاسع من رمضان ..
الخامس من أكتوبر عام 1973
كانت تلك الرسالة التى وصلتني مع القوارب ، قرأتها وشعرت بان خلفنا رجال ساهرون يعملون ويفكرون فى كل شيء ، لم يغمض لي جفن فغدا سنعبر ؛ غدا اليوم الموعود ، لقد كنت افكر منذ انتقلنا الى جبهة القتال وانا أنظر الى الجهة الأخرى من صحراء سيناء متمنيا من الله ان يعطيني العمر والقوة وأن يأتى يوم كي أعبر إلى الشرق وألقى الشهادة هناك ، كانت تلك الأمنية تراودني وأقول لنفسي هل سيأتي هذا اليوم؟ كنت اعتقد اننى وعدد كبير نفكر فى هذا ولكنني ويا للعجب فقد اكتشفت ان هذه رغبة الجميع ، ولماذا يا للعجب وان رسولنا الكريم ميزنا عن سائر المسلمين بحديثه الشريف:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
“إذا فتح الله عليكم بمصر فاتخذوا منها جندا كثيفا فهم خير أجناد الأرض.. قيل لما يارسول الله .. قال لأنهم كنانة الله فى أرضه”
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويفسر أهل العلم والعلماء بان الكنانة هنا تعنى الجراب الذي يحمله المقاتل على ظهره ويضع به سهامه ، اى أن مصر والمصريين هم معقل الجيوش والمحاربين وليعيد التاريخ نفسه منذ “انتصار أحمس على الهكسوس وصلاح الدين الايوبى على الصليبيين فى معركة حطين والانتصار على التتار بقيادة المظفر قطز فى معركة عين جالوت. ثم فى العصر الحديث جولات وصولات محمد على وأبنائه حتى وصلوا لتهديد دولة الخلافة العثمانية”
معـركة العـبور
أوضح للسادة القراء موقع وحدتي ؛ أحتل المنطقة الابتدائية للهجوم فى جزيرة البلاح “جزيرة البلاح جزيرة صناعية ظهرت للوجود نتيجة حفر قناة السويس طولها يقارب الثمانية كيلومتر وهى رملية غير ممهدة ولا يصلح السير فيها اللوارى ولكن المعدات من الجنزير سواء دبابات أوعربات مدرعة يمكنها التحرك بها بسهولة ؛ من جهة الشرق والغرب تفريعتين لقناة السويس بعرض مائتي متر لكل فرع”.
الساعة السادسة إلا ربعا من صباح السادس من أكتوبر وصلت إلينا فتوى شيخ الأزهر بحتمية إفطار الجميع ومن يخالف تلك التعليمات يكون آثما ، طفت على الجنود لإقناعهم بالإفطار وكأن جميع الجنود قد أصابتهم قوة الإيمان رافضين هذا الأمر إذا كان لهم هذا الحق ، شربت الماء أمامهم موضحا أن الانتصار أهم من الصوم ، لأن الانتصار سيكون انتصاراً لجميع المسلمين على أعداء الله والإسلام كما أنه يمكننا أن نستعيض هذه الأيام بعد النصر بإذن الله ؛ مازلت أتابع إفطار جنودي واستمع إلى الراديو منذ الصباح وأغنية ام كلثوم الجميلة “يا صباح الخير يا لي معانا” وانا مازلت أطوف عليهم جميعا وعلى باقى الوحدات الملحقة على قواتي.
وصل عددنا الى ثلاثمائة وعشرة جندي وصف ووصل عدد الضباط إلى خمسة عشرة ضابطا ، تعلن ساعة جامعة القاهرة تمام الثامنة من صباح هذا اليوم السادس من أكتوبر العاشر من رمضان ؛ فى هذا اليوم زاد عدد دقات الساعة عن المعتاد كأنما حدث خلل بها ؛ ضبطت ساعتي والتي كان بها تأخير ثلاث دقائق ، طفت على الجميع ليضبطوا ساعاتهم وبعد أن تيقنت من ذلك وصلتني رسالة مكتوبة من قيادة الفرقة بأنه فى تمام العاشرة نبدأ بنفخ القوارب ، قارب بعد الآخر وعلى الجنود الآخرين التظاهر بالضحك والتحدث لعمل شوشرة على أصوات أدوات نفخ القوارب ، فعلنا هذا ؛ قاربا بعد آخر حتى أتممنا الاثنين وعشرين قارباً.
الساعة الثانية عشرة والنصف حضر سائق قائد الكتيبة”العريف مجند أبو الخير” ليخبرني بان القائد يطلبني فى مركز الملاحظة ؛ أرافقه وعبرنا القناة الخلفية “التفريعة الأخرى للقناة ويطلق عليها اسم تفريعة البلاح “وبالسيارة قطعنا أكثر من كيلو لأجد قائد الكتيبة في وضع الاستعداد فى مركز الملاحظة مبتسما ومرتفع الروح المعنوية وأسعدني هذا وقد يكون هذا الإحساس قد وصل إلىّ أيضا لأجد قائدي منشرح الصدر غير هياب للموقف ، صافحني سعيداً قائلاً: هذا يومك يا بطل أنت ورجالك الشجعان ، ناولني مظروف صغير وطلب منى قرأته بعد أن أصل إلى موقعي فى حضور الضباط وضباط الصف وابلغهم بمحتواه ، احتضنني مودعاً وتبعه كل ضباط القيادة من رئيس العمليات إلى ضابط الإشارة والأمن ، طلب منى إبلاغ تحيته إلى الجميع ؛ عاد بى السائق وانتظر معي حتى حضر القارب ليعيدني الى الجزيرة وهنا عانقني السائق داعيا الله أن يوفقني.
أقف وسط جنودي وضباطي بعد عودتي من لقاء القائد وهم يترقبون منى شيئاً جديداً ، البعض بدأت تخور قواه فقد أصبحت الأحلام حقيقة وأصبح من يفتعل البطولات يجدها قريبة منه قرابة أنفاسنا اللاهثة وهذا هو المحك الرئيسي قادما وليس لك بديل اما النصر أو الشهادة ، قرأت كلمات قائدي والتى لا تخرج عن سطرين بأننا جاهزون ومستعدون لمعركتنا القادمة وموعد عبورنا الساعة (1405) وهذا هو التوقيت العسكري ، اى الثانية وخمسة دقائق بعد الظهر وهذا التوقيت سيكون لحظة عبور القاذفات المصرية من سلاحنا الجوى.
***
استأذن القارئ بان أتطرق إلى معركة العبور رغم اننى فى مقدمة الكتاب نوهت اننى لا اكتب عن المعارك التى لا يتقبلها الجميع ولكن هذا اليوم وتلك المعركة هى شيء غير طبيعي سواء للعسكرية المصرية أو للنفس البشرية ولهذا فسوف أتحدث عنها فى فصل كامل نظراً للمهمة الخاصة التى أوكلت إلي وحدتي والتي تعتبر فى بنود فن القتال من أصعب المهام بكل المقاييس فهى تعتبر من المهام الانتحارية بدون أدنى شك ، أى شخص يخالف هذا الرأي يكون مخطئا وبعد أن يقرأ عنها سوف يكتشف حقيقة ما اقول كما أنها تتحدث عن بطولات للعشرات من الشهداء والمصابين فى فترة زمنية قصيرة وما تلا ذلك من نتائج باهرة للعمل العسكري فى مواجهة الفرقة 18 مشاه والتى تحتل جزءاً كبيراً من جبهة القتال كما كان بقطاعها مدينة القنطرة شرق والتى أدي سقوطها في أيدي قواتنا إلي إسعاد الأمة العربية وما جاورها من نقاط حصينة بلغت سبع نقاط من جملة نقاط العدو على جبهة القتال من خط بارليف.
***
تعدت الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر هذا اليوم الرائع فى تاريخ الشعب المصري والعربي ، لقد كان شيئا غريبا وملفتا للنظر ما يجرى على جبهة القتال خاصة فى الخط الامامى ، هذا الخط الذي لا يفصلك عن العدو سوى قناة السويس بمسافة مائتي متر على أقصى تقدير.
أتطرق لهذا الحدث ومن منى أحسن نفراً أن يكتب عن هذا ، يكتب عن ملحمة جنوده من الشهداء والجرحى والأبطال بدلا من الدمى التى يحضرها التليفزيون لتتحدث عن هذا العمل البطولي الرائع والكل يتغنى به ، أنا لا أتحدث عن بطولة شخصية فلم أدمر دبابة بيدي ولكن كان لي دوري القيادي والذى لا يقل أهمية عن ما قام به الرجال الأبطال.
لقد قرأتم مشاهداتى أثناء انسحابى فى معركة عام 67 ولم أتولى بطولة ولم نبدأ معركة ولكنها كانت مفروضة علينا باستثناء معركة الشهيد وليم ومعركة تدمير فنطاس الوقود لليهود فى آخر يوم انسحاب لنا ، لكن هنا فالوضع يختلف ، نحن المهاجمين ، نحن العابرون. “نحن مفرزة نطاق أمن الفرقة “والتى يعرفها من المتخصصين يعلمون انها المدفوعة للاشتباك مع العدو وبالتالي يكون العدو فى أشد قوته ويستطيع بإمكانياته الكبيرة وخشيته على قواته الواقعة تحت نيران قواتنا من القتل والتدمير والأسر أن يقوم بكل ما يستطيع لأن يسحقهم ؛ إذاً فهم سوف يحصلون علي حموة الموس والصدمة الأولى لقوات العدو وهذا معروف لدى كل القيادات الكبرى فى أى جيش من جيوش العالم ، أنهم الفدائيين ورأس السهم المندفع أمام القوات ، هم التى تسير باقى القوات الرئيسية فى أثرهم ونصرهم هو مما لاشك فيه نصر لهم ولا قدر الله لو فشلوا فى مهمتهم فهذا معناه تكبيد قواتهم الرئيسية خسائر كبيرة أو فشل خطة الهجوم ولهذا سوف أتحدث عن هذا العمل.
***
جبهة القتال فى الأيام السابقة للحرب كأنها سوق كبيرة به الحركة والنشاط ، لو أعطيت مثلا لذلك: لقد كانت شبيهة بيوم من أيام شهر رمضان فى الساعات التى تسبق موعد الإفطار، فكل شيء يتحرك ويجرى هنا وهناك وهذا يعود لمنزله وذاك يستعد حاملا معه الطعام أو الفاكهة أو الكنافة ، كلٌ مشغول حسب تخصصه أو رغبته ،. فجأة قبل موعد انطلاق المدفع بعدة دقائق تسير فى الطرقات فلا تجد أثرا لحياة ؛ أين البشر؟ أين الآلاف والملايين التى كانت تملأ الشوارع والمواصلات حركة ونشاطا وتسابقا من أجل موعد هام؟ أنه موعد الإفطار أو موعد إطلاق مدفع رمضان ؛ أو قل مدافع الكبرياء التى ستنطلق على هؤلاء.
سكون تام فلا حركة وكل خلف سلاحه وإذا كان اى إنسان يريد معرفة ما يحدث لهؤلاء الرابضون فعيون يقظة وعقول تائهة وقلوب تنبض بقوة كأنها أصوات مدفعية ميدان ، الكل صامت ولا تعرف عن أفكار هؤلاء شيئا ولكن المؤكد أنهم يفكرون مثلى ومثل الآخرين فقد وصلنا إلى نقطة اللا عودة أى أن العد التنازلى قد بدأ ولن نخطأ خطأ عام سبعة وستون ثم فجأة نعود صامتين وإلغاء ما تم دفعه وهنا تكون القوات فى وضع خطير للغاية حيث أن جميع القوات قد تم حشدها بمسرح العمليات فإذا ُطلب منهم إغلاق معداتهم والعدو مازال مستعدا فسوف يضرب ويدمر للقوات المحتشدة فى مساحة ضيقة فتكون الخسارة كبيرة ولا تستطيع القيادة أن تطلب منهم العودة ثانية لوضع الاستعداد للحرب فهى تحتاج وقت طويل ، انها مثل الفرن الذى يحتاج إلى فترة إعداد حتى تصل درجة حرارته إلى الدرجة المناسبة لإعداد الخبز ولكن إذا قذفته بجردل ماء لإنطفىء فى الحال وإذا أردت إعادة إشعاله فتحتاج إلى فترة زمنية اكبر من الأولى حتى تزيل آثار المياه التى أتلفت الأرض والوقود الذى ابتل ، هذا ما حدث فى يوم السادس من أكتوبر ؛ فقد سبق السيف العزل.
قريبا منى المعاونون لى فى مركز القيادة ؛ هو مركز قيادة متقدم بكل الأحوال بالمسافة التى لا تقل عن ستة كيلومترات وبدون قوات صديقة على الأجناب أو فى الخلف ؛ كان الوضع شائك للقادة الذين دفعوا بى لهذا المكان ولتلك المهمة وهى بكل المقاييس مهمة خطيرة جداً لتنفيذ مثل تلك العمليات وهى ليست من أنواع المهام المظهرية والعنترية بل إنها فى صلب الدراسة للعمليات الهجومية ، معى فى مركز الملاحظة ثلاثة عمال أجهزة لا سلكى متوسط المدى لا يقل مداه عن خمسون كيلومتراً وثلاثة أجهزة اتصال لاسلكى قصير المدى مداه خمسة كيلومترات من نفس النوع المتواجد مع ضباط السرية والوحدات التى تعمل معى ثم عدد ثلاثة جهاز تليفون ميدانى للاتصال بقادة الوحدات الكبرى ، كانت الأجهزة والتليفونات المتواجدة معى تتصل بكل من قائد الفرقة وعمليات الفرقة وقائد اللواء ، كنت استمع لاتصالات قائد الكتيبة بقائد اللواء لأننا جميعا على شبكة واحده مع تواجد عنصر طبى معى “رقيب طبى” وحامل للقاذف الصاروخى المضاد للطيران المنخفض “ستريلا أو سام 7.
بلغ عدد المتواجدين معى عشرة من الجنود المثقفين المتعلمين كما يدير المقذوفات المضادة للدروع والمضادة للطائرات عدد من الضباط المهندسين أيضا ، تعدت الساعة الواحدة والنصف وانا فى حالة من اليقظة والانتباه وجنودى صامتين والحركة على جبهة القتال خاصة في موقعى تدفع على الرعب ، انه الانتظار القاتل ولا يريد عقرب الدقائق أن يتحرك ، كل فترة أشاهد ساعة يدى وأقول كل هذا فى ثلاث دقائق ؛ كان وقتا طويلاً علينا لقد كان الانتظار وما خلف الانتظار من أحداث وكل ينظر إلى الآخر ولسان حاله يتساءل: هل سيشاهد هذا الزميل مرة أخرى سواء نال هو الشهادة أو زميله؟ كان الجنود صامتون بل لا يتحركون وشعرت فى بعض الحالات أن بعض الجنود يرفع يديه تضرعا لله؟ ماذا يقول ويطلب من الخالق؟ لا أعلم واحتمال أنه يسأله النصر المبين واحتمال آخر بأن يساعده أثناء المعركة واحتمال ثالث بأن يحميه من نيران العدو ؛ كنا قد وصلنا إلى حالة من الروحانية العالية وقد أدى هذا إلى أن سرح البعض منا مع عائلته أو أحبائه وقد كنت منهم فلقد طار بى الفكر والخيال بعيدا ولم افكر فيه راغبا ؛ كنت أشعر فى بعض الأحوال بأن جسدى فارقته الأحاسيس والمشاعر وأصبح متبلداً ، لقد كان الموت قريباً منا بشكل ما ورائحته أقبلت من الشرق جهة الأعداء ، كنت أفكار كيف سأعبر بجنودى وبهذا العدد الكبير القناة بمفردنا دون قوات من حولنا؟ وكيف سأصل إلى المنطقة المحددة لى وطولها ما بين ستة إلى سبعة كيلومترات دون قوات مجاورة لى تساعدنى وقت الحاجة ، كيف سيحمل الجنود الإحتياط الذخائر والصواريخ لإيصالها إلينا والمعركة دائرة؟ المعركة سوف تكون بين المشاة العراة من أى درع حديدى وبين الدبابات والمدرعات الإسرائيلية ، كان الموقف عصيبا ولكن ما علىّ سوى التنفيذ فهناك القادة الكبار الذين يحسبون كل شيء ولديهم الخبرة والإمكانيات.
انظر إلى مياه القناة الرائعة والتى تخبرنا بأنه بعد دقائق سينقلب الحال بها وكأنها تطالبنا بأن نذهب لنستحم ونتمتع بها لا أن نعكرها بالقصف والدماء ، طار خيالى وانقلب اللون الفيروزى على الشاطىء الذى هو اخضر فاتح ، سكن تفكيري وكل ما انا فيه نظرات حالمة لمياه القناة وسعادة بالغة بذكرى الأحباء فى القاهرة والزقازيق ، هتف هاتف بداخلى ، لا تغضب أن الحرب قادمة وستعالج كل شىء وستبتعد عنهم إن آجلا أو…. افزعنى صوت الطائرات الهادر المفاجىء لنا جميعا وهتفت هذا هو “عاجلاً”.
وقفت ُمضطربا ؛ فقد كانت لحظة سكون وحلم وخيال لانتبه على هذا الصوت الجبار وانفجار الصواريخ والقنابل تتساقط امامى فى الشرق ، لقد عبرت الطائرات القناة من فوقنا مباشرة وهذه هى المرة الأولى التى نشاهد فيها قواتنا الجوية تعبر من فوقنا وتقصف العدو ؛ فدائما ما نشاهد طائرات العدو هى التى تقصف وتدمر وتقتل وطائراتنا عاجزة أن تفعل مثلها ، جاء اليوم ولنفعل بهم مثل ما فعلوا بنا طويلا ولا أعتقد أن ارتفاعها يزيد عن عشرين متراً ؛ كان واضحا الأرقام المكتوبة على بطن الطائرات ، انها الميج 21 .. هاجمت الطائرات أعماق سيناء ونحن نشاهد الانفجارات تتوالى وأعمدة الدخان تتصاعد دليلاً على إصابة الأهداف بدقة.
وقفت صائحاً: احملوا القوارب؛ كان ترتيب عبورنا يبدأ بعبور ثلاثة قوارب تحمل فصيلة مشاه بقيادة النقيب حسن وبعد وصولها للشاطىء الشرقى للقناة تتسلق الساتر الترابي وتحتله لتؤمن باقي القوة حتى نكون مؤمنين من تدخل القوات المعادية وتقضى على هذا العدد الضخم فى القناة ، أعيد الأمر .. ارفعوا القوارب .. حملوا القوارب بوهن أو ُقل أن أعصابهم وقواهم قد خارت ، لقد عذرتهم فما حدث فى الثوانى السابقة أربكنا جميعا وليس هذا خوفا أو جُبنا فمنذ ثلاث سنوات ونحن بدون قتال أو اشتباك ، حملت الفصيلة المحددة القوارب وانا أصرخ بهم ، تحركوا إلى الثغرات لعبور القناة ، شاهدتهم متحجرين مثل ما يشاهد ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ